أسطورة بحيرة الأربعين 

الكاتب: عبدالعزيز عمر أبوزيد
المصدر: كتاب الأسطورة في مدينة جدة

لم يكن الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه ليرضى ولا ليضع أدنى توقع أو افتراض أن الناس سوف يتداولون كرامات بحيرة الأربعين لمجرد مروره بها ووقوفه عليها وهذا اعتقادنا ويقيننا به فهو من أصحاب الفضل من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم ومن العشرة المبشرين بالجنة والخليفة الثالث الذي عُرف بعدله ونصره للدين ..

فهذه البحيرة هي  لسان من البحر ولم يرد بشأنها فضل ولم يرد في الأثر عنها بشيء لا من قريب أو بعيد ، فلا ميزة فيها ولا سوابق تمنحها أي أفضلية .. لكن الناس بجهلهم وبساطة تفكيرهم استباحوا ذلك الربط في العلاقة لمنحها تلك الفضل والميزة  فبرروا  بأن مروره واغتساله بها قد أحل  عليها بالبركات والكرامات والخوارق ما لا يكون لغيرها  .

لكن الناس على مر التاريخ القديم للمدينة قد التصق في أذهانهم بركات مياه هذه البحيرة وشكلوا أسطورة لا تبقِ ولا تذر حالاً إلا وتكون البحيرة ذات أثراً فيه .. فكانت البحيرة في مدها وجزرها ضرباً من الأساطير فتارةً تشفي الأمراض وتارةً تجدد دماء النساء المجهدات بهموم الحمل والولادة وتارةً أخرى تطرد الحسد وتكافح الشرور ..

 القصة الأسطورية بدأت بمرور سيدنا عثمان رضي الله عنه في العام 26 هـ على مدينة جدة واختياره لها لتكون ميناء لمكة المكرمة بدلاً من بحر الشعيبة لمقومات حقيقية ومبررة ونتيجة مشاورة جنده ومستشاريه لأفضليتها لتكون ميناءً لمكة بدلاً من الشعيبة .. واغتسل في مياه البحيرة فتناقل الناس بعدها ما يشبه الأسطورة لبركات مياهها التي تشفي الأمراض وتحل البركات  وتقمع الشرور وتبعد حسد الحساد وكيد الكائدين وشرّ شرورهم ..

 لذلك كانت هذه الرواية هي باكورة الأساطير التي تناقلها البسطاء ومن المغالين في ترسيخ جانب الفضل للمدينة القريبة لمكة والمشاعر والمقدسة ، لا سيما أن تلك الرواية قد تماشت مع قيام المدينة الناهضة باحتلالها للموقع التجاري والاقتصادي والديني بعدما اختارها سيدنا عثمان رضي الله عنه لتكون المدخل البحري الرئيس لمكة المكرمة لما تتسم به شواطئ المدينة من مزايا لا تتوفر في بحر الشعيبة وذلك بوجود ممرات الشعاب المرجانية المنيعة التي لا تمكن أي سفينة مهما كانت ضخامتها وثقلها وعتوها من الرسو دون وجود مرشدين بحريين عارفين ببواطن أمور شواطئها وبأحوال الممرات المرجانية التي حباها الله لهذه المنطقة ، وإلا فإنها حتماً ستتحطم وتتهاوى أمام كتل الصخور المرجانية العتيدة التي تحول دونها أعتى السفن فتنقاد إلى شواطئ المدينة كما تقاد الجياد إلى مخدعها الآمن وبغير هذا الانقياد القسري ليس لها حول ولا سيبل إلى بلوغ ساحل المدينة والرسو في شواطئها المنبسطة بأمان.

ونُقل عن الفاسي في شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام " أن أول من جعل جدة ساحلاً لمكة المشرفة  سيدنا عثمان بن عفان  رضي الله عنه في سنة ست وعشرين بعد أن استشار الناس".

وورد ذلك أيضاً في إفادة الأنام بذكر أخبار بلد الله الحرام لعبدالله المكي الحنفي  " وقد كانت " أي جدة " قرية صغيرة في بادئ أمرها يسكنها وما حولها قضاعة قبل الإسلام ، فلما كانت سنة ست وعشرين للهجرة في خلافة سيدنا عثمان رضي الله عنه اشتكى الناس له الشدة التي يعانونها في ميناء الشعيبة لكثرة ما فيها من الشعاب التي تعوق سير السفن بها وقالوا إن شمالها خيراً منها ، فذهب عثمان إليه في جمع من قومه ليعاينه بنفسه ، فوجده حقيقة أحسن من الأولى فأمر بجعله ثغراً لمكة وسموه جدة والشعيبة الآن قرية صغيرة على مسافة عشرين كيلو متراً من جنوب جدة وساحل جدة كله شعاب صخرية يتخللها شعب مرجانية حمراء وسوداء ".

وكما جاء في أعلام الحجاز  " يقول الحضراوي :ثم أن سيدنا عثمان استصوبها ونزل بها ، واغتسل في بحرها : وقال : إنه مبارك كما في الدرر المنظمة – بعد أن استشار الناس وجعلها خالصة لمكة " ويقول الحضراوي " أن البحر الذي اغتسل فيه سيدنا عثمان بن عفان - رضي الله عنه – هو المعروف الآن فيها ببحر الأربعين ، وهو بناحية من ساحلها ، ولم يزل أهل جدة إلى الآن يغسلون مرضاهم فيه تبركاً كما هو المعهود"  .

ويضيف : بحر الأربعين معروف موقعه لدى المسنين من أهل جدة وموقعه في الوقت الحاضر خلف فندق البحر الأحمر أمام مبنى البنك الأهلي التجاري وما ذكره الحضراوي أن أهل جدة يغسلون مرضاهم في هذا البحر تبركاً لم أدركه ، ولم أسمع به ولعله كان قبل ذلك والله أعلم ".

وذهب المؤرخ محمد الكردي في التاريخ القويم إلى الاستدلال ينفي به ما تناول عن بركات وأسطورة بحيرة الأربعين " لما اشتكى الناس  إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه تعالى عن الشدة التي يعانونها في ميناء الشعيبة وطلبوا منه نقل  هذا الميناء إلى جدة ، ذهب رضي الله عنه في جمع من الصحابة لمعاينة مكان جدة فوجده أحسن من الشعيبة فأمر بجعله ثغراً لمكة وسموه (جدة) حيث لم تكن معروفة بهذا الاسم من قبل ولم ينقل عنه ولا عن أحد من الصحابة عن معرفتهم لقبر حواء بجدة وعثورهم عليه ، فلو كان قبرها الطويل العريض معروفاً لديهم لنقله التاريخ عنهم" . 

والأمر لم يتوقف عند حد توقف سيدنا عثمان رضي الله عنه وإنصاته إلى مشورة معاونيه إلى مقترح اختيار شاطئ جدة ليكون ميناء مكة المكرمة ومدخلها الرئيسي بدلاً من الشعيبة لما تتمتع به من مزايا أمنية طبيعية ومنيعة .. بل راج على مدى الأجيال بركة هذا البحر وفضله وفضل المدينة وبركاتها لقربها من مكة ولكونها ذات كرامة وحظوة إلهية ، مع أن جميع المدن المطلة على البحر الاحمر تتمتع بذات السمات الطبيعية بوجود السواحل المرجانية الطبيعية دون أن يكون لجدة دون غيرها فضل هذه الميزة وهذا الإعجاز الرباني ، فكلما ذكر فضل جدة نسب تاريخها إلى هذه الحالة لما يتمتع به بحرها من خصوصيات ولقربها المبارك من حظوة ربانية.

فكان الناس هنا قديماً تربطهم علاقة وثيقة ببحيرة الأربعين لا تبتعد عن جعلها أسطورة لها غموضها وأسرارها في حياتهم ولها تأثيرها ومفعولها السحري في تعاملاتهم اليومية وفكرهم الاجتماعي .. كما أنها أي البحيرة هي متنفس سكان الحارات القديمة ، فعلى ضفافها يقضون أوقات انسجامهم وصفاءهم في جمال البحيرة الملاصقة لحارات المدينة لكونها لسان ممتد من البحر الأحمر ، وقد ارتبطت تاريخياً بالبحيرة ولازمت مسيرتها ونموها ، فهي  جزءً لا يتجزأ من المدينة ومن فكرها القديم .

وقد جاء في الجواهر المعدة في فضائل جدة  "أن البحر الذي اغتسل فيه سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه هو المعروف الآن ببحر الأربعين ، وهو بناحية ساحلها ، ولم يزل أهل جدة إلى الآن يغسلون مرضاهم فيها تبركاً بمائه كما هو المعهود"

وبحيرة الأربعين مطلة للجانب الشمالي الغربي للمدينة القديمة وبالقرب من سورها في حدوده الشمالية حيث مدخله المعروف بباب جديد  وكان الناس قديما يتبركون بهذه البحيرة ويعتقدون بأن مياها تشفي الأمراض وتحلّ الشفاء لمن يمسح أطراف وأجزاء من جسده بها ، إلى الدرجة التي تجعل من المعالجين الشعبيين والعطارين وذوي النصح والخبرة يشيرون إلى من يعاني من شكوى لأمراض غير معروفة المعالم وغير واضحة ولا علاج لها في أجنداتهم وأعشابهم العلاجية بالتوجه العاجل لمياه البحيرة خلال الفترة المسائية قبل مغيب الشمس للاغتسال بماء البحيرة والسباحة فيها لما أمكن من الوقت وما أتيح لهم من القدرة (62).

وهم على قناعة راسخة ويقين لا تهزه أي شكوك ولا بواعث ظن وريبة أن مياه البحيرة فيها من الأسرار ما يكفل بفك بعضاً من غموض المرض العارض والحالة الغير واضحة المعالم فما كان راجحاً عند الناس بأن مياه البحيرة المباركة يجب أن تسبق أي علاج مهما كان ، فقد تدفع بعد الاغتسال بها شيئاً من البلاء وتنفض شراً غامضاً ارتبط بالحالة عندما تلامس المياه جسد المغتسل من بركة وعلاج أولي وسريع ، وكان الناس يتبركون بالسباحة بمياهها المالحة  في عامة الأحوال سواء للمرضى أو المتبركين بمياهها وكانت السباحة فيها تجلب الشعور بالارتياح . 

وكانت الفتيات اللاتي لم يتزوجن يقصدن مياه البحيرة للتبرك عندها حتى تنفرج أمورهن ويتحقق رجاءهن في أن تتزوج كل منهن الرجل المناسب لها الذي يحقق لها الأمان والاستقرار والأمر ينسحب على من فاتهن سن الزواج وبلغن العنوسة  فيجدن في مياه البحيرة ملاذهن وأملهن في محاكاة أمواجها وبث همومهن وأشواقهن وحاجتهن للزواج والإنجاب شأنهن في ذلك شأن بقية أقرانهن من النساء  في المدينة الصغيرة ..

 وكان الناس يطلقون على البحيرة أيضاً ببحر العيون ، والفتيات يذهبن إلى البحيرة ومعهن بعضاً من الفتوت وهو نوع من الفطائر ويرددن في ملاقاة مياه البحيرة  : 

يا أبو العيــــــــــون        أنا حـــــــــــايرة

البنات اتزوجــــــت        وأنـــا بـايـــــــرة

وكان يطلق على البحيرة ببحر الطين لاستخراج البنائين مادة الطين اللزج لاستخدامه في بناء البيوت بالطريقة التقليدية . 

والأمر لا يقف عند هذا الحد فحسب بل تجاوز إلى أن البحيرة بما بلغ لها من شهرة لبركة مياهها تستقبل أعداداً من مناطق اخرى يقطعون المسافات للاغتسال في مياهها ونيلاً لبركاتها في مواجهة أي أعراض صحية غامضة ، ولم يجدوا بداً من تكبد معاناة السفر وقطع المسافات الطويلة للوصول للبحيرة والتبرك بمياهها طلباً للعلاج لما أصابهم من أمراض ، هذا ما كان يرويه المعمرون عن ما كان راسخاً في أذهانهم وثابتاً في معتقدهم عن مياه هذه البحيرة ، مما يجعل منها لغزاً أسطورياً لا يقوى أحداً على تفسير خيوطه التي لها ارتباط بالمكان وظروفه.

وتقول الوصفة بأن يذهب المريض للاغتسال والسباحة في مياه البحيرة يذهب لينام ليلته معتقداً بمفعول علاجها ، و يحكي للعطارين في اليوم التالي عن ما استجد له مع مرضه والعرض الذي قضّ مضجعه .. هل تراجع أو زال أثره حيث يكون للعطارين تفسيراً لطبيعة مرضه وكأن مياه البحيرة تدخل بصفة رسمية في مراحل علاج العطارين لبعض الحالات التي يستعصي عليهم فهمها .

 

Back