جوهر : الحدث المجلجل الذي تحول لأسطورة تاريخية

الكاتب: عبدالعزيز عمر أبوزيد
المصدر: كتاب الأسطورة في مدينة جدة

الشعوب لا تضل طريقها تجاه أساطيرها الرمزية .. 

فتظل الذاكرة الشعبية مزدهية ومزهوة بما حوت به فصول تاريخها الوطني والنضالي ، فلا تنطوي صفحات النجوم ولا يخفت ضوءها مهما تتالت الأحداث وتعاقب مرور الأجيال..

وهناك من الحوادث التي تتعرض لها المدن وتـأخذ مكانها الراسخ في تاريخها وإرثها القديم ومخزونها المتوارث وهي لا تكون بالضرورة  ذات بدايات وولادة  ناتجة عن مواقف سياسية عنيفة أو صلبة ، ورغم ذلك فإن خوضها يكاد يكون حتمياً دون النظر إلى العواقب والنتائج كالخيار الصعب الذي لا رجعة فيه ..

وهذه الحادثة الملحمية وضعت مدينة جدة تحت الغزو الأوروبي لدول ذات قوة وسيط وتأثير عالمي كفرنسا وانجلترا وأسبانيا وغيرها من دول أوروبا وبسبب هذا الحدث كادت أن تنشب الحرب بل قد دقت طبولها ضد سكان جدة ورجالاتها ، وكادت جدة أن تقع في قبضة الأوروبيين فقد حانت الفرصة لاحتلال المدينة العريقة ذات التأثير التجاري والموقع الاقتصادي والأهمية الدينية ..

وهناك من البشر من لهم وقعهم المثير وبسببهم يتحقق كل ذلك فمواقفهم سجلت بطولات فردية  أخذت الطابع الملحمي لأنها أخرجت ما في قلوب الناس من مواقف وقرارات كالاتفاق الغير مكتوب ولكنه منقوش في قلوبهم ينتظر من يشعل فتيله ليصعد إلى الآفاق فيشتركون مجتمعين خوض غمارها دون الاكتراث للعواقب مهما كان وقعها وأثرها المحتمل .. ذلك هو الحدث الأسطوري الذي يحلق بصاحبه بين النجوم ويسجله كأسطورة  يتجمهر الناس حول حدثه المفتعل ويسجل صفحة مضيئة  في تاريخهم الاجتماعي والنضالي ..

إنه باختصار صالح جوهر الذي أحدث تغييراً جذرياً في هذه المدينة وكاد أن يلحقها باحتلال الإنجليز من فداحة الحدث المزلزل الذي اهتزت له بريطانيا الدولة التي لا تغيب عنها الشمس من طغيان حكمها وانتشار مستعمراتها في أرجاء المعمورة آنذاك .. ورغم أنه كان المتسبب في حدوث تلك الفتنة  إلا أن الجميع ينظر بإكبار لفعلته التي كان وراءها ما وراءها من الأحداث الجسام .  

ففي العام 1274 هـ 1858 م تعرضت جدة للغزو البحري  الإنجليزي من إحدى البوارج البحرية التابعة لها بسبب صالح جوهر أحد ملاك السفن بجدة فقد اشترى مركباً عليه العلم الإنجليزي وسعى إلى تغييره وإحلال العلم العثماني بدلاً  منه ، مما أثار غضب القنصل الإنجليزي بجدة وذهب إلى المركب واستبدل العلم العثماني بالعلم الإنجليزي وأشيع في جدة وبين سكانها أنه حينما أنزل العلم العثماني وطأه بقدمه وتفوه بعبارات غير لائقة (81). 

فثار غضب وحنق الأهالي من تصرف القنصل الأحمق بإنزال العلم الإسلامي ووطأه بقدمه وتلفظه بعباراته البذيئة وهاجوا واتجهوا إلى دار القنصل وقتلوه وقتلوا معه بعض القناصل الأوربيين. 

وفي الجانب المقابل ثارت ثائرة الإنجليز وهم القوة العظمى في ذلك الوقت التي لا تقف في وجه أساطيلها العسكرية وبوارجها البحرية المستبدة أي قوة تذكر ، وقد سادوا بعظمة ملكهم واستحكموا خيرات الأرض بفرض قواتهم الطاغية ، وبعثوا أحدى قطع الأسطول الإنجليزي تقذف جدة بالقنابل من سفينة إنجليزية معروفة باسم سيكلوب حيث أطلقت نيرانها لنحو 20 ساعة .

 حتى تم التفاوض بين قائد المركب الإنجليزي وبين وفد من الأهالي برئاسة الوالي التركي نامق باشا وعضوية عدد من علماء الحجاز وهم الشيخ جمال شيخ عمر والشيخ صديق كمال والشيخ إبراهيم نشار والشيخ محمد جاد الله والشيخ محمد بن إسحاق بن عقيل إلى جانب عدد من تجار جدة واتفقوا على التحقيق في القضية ومعاقبة المتسببين فحضر محققون أتراك وإنجليز وفرنسيون وقبضوا على كل من حامت عليهم الظنون. 

وقد أجريت محاكمة سريعة وعاجلة وأصدروا أحكامهم بإعدام عبدالله المحتسب وسعيد العمودي واثني عشر شخصاً من عامة الناس كما أصدروا أحكامهم بنفي عدداً من الأهالي منهم قاضي جدة عبد القادر شيخ وعبدالله هارون والشيخ عبدالغفار والشيخ يوسف باناجه والشيخ عمر بادرب والشيخ سعيد بغلف.(82)

وكما أُعدم محتسب جدة آنذاك وهو السيد عبدالله أغا فران كما قُدر عدد المنفيين بنحو أربعين رجلاً كما يشار أن بعضا منهم قد عاد بعد سبع سنين والبعض الآخر قد توفاه الله في الغربة بعيداً عن الأهل والوطن.(83)

تلك الحادثة الاحتجاجية قد كان لها وقعها في تلك الفترة بكل تأكيد على جميع الهيئات والمنظمات والممثلات السياسية في مدينة جدة ، فالسكان والأهالي لن تهدأ أجواءهم ولن تخضع حساباتهم لأي مناورات ومفاوضات سياسية فيما لو ارتبط الأمر بما يمسّ الثوابت عندهم كالاستهانة بأي من الشعائر أو الثوابت الدينية ، فقد يثور الأهالي بفعل ما لا يحمد عقباه من انتقام قد يودي بحياة قناصل لدول لها ثقلها ووزنها على مسرح السياسية الدولي مما يجعل أي ممثل سياسي لا يتجرأ بتصرف أحمق كالذي فعله القنصل الإنجليزي ودفع ثمنه حياته فالنتائج والآثار مدوية وفادحة على مستقبل المدينة وحياة سكانها.

فما فعله صالح جوهر بإنزال العلم الإنجليزي وإحلال العلم الإسلامي مكانه لم يكن مستهجناً ومستغرباً للأهالي في هذه المدينة بل كان فعلا مستحباً ومستحسناً وجسوراً ويعبر عن سلوك أحرار يتصرفون في أملاكهم بما يتوافق مع ثوابتهم وتمليه عليه أعرافهم ودون أي تخوف أو محاذير أو محظورات سياسية ، فليس في العلم الإنجليزي ما يقدس بقاءَه أو ما يفرض استمرار اعتلائه سارية المركبة المملوكة لإنسان عربي مسلم يعيش في مدينة جدة. 

وصالح جوهر برغم كل ما كان من نتائج وخيمة للحادث الذي ذهب ضحيته أبرياء تحت وابل القنابل الإنجليزية ، فقد وُضع في صفحةً ناصعةً في التاريخ الجداوي الثائر من حالة التسلط للقنصل الإنجليزي الذي تصرف مع أملاك السكان بعنجهية وتعالي مرفوض وبتسلط لا يسمح لأي مالك ممارسة حقوقه الاعتيادية الطبيعية بأن يضع الشعار الإسلامي على سارية المركب الذي اشتراه بحر ماله ولم يعد من أملاك الإنجليز وإن عُرف من قبل بأنه مركب مملوك للإنجليز فقد قام جوهر بشرائه و ضمه إلى قافلة أملاكه البحرية.   

هذا الحادث يكاد يكون الأكثر لفتاً للمتجول في سير تاريخ هذه المدينة فكيف تحوّل سكانها المسالمين المعروفين بتقديمهم لآيات المسالمة والتصالح مع كل الوافدين والزائرين وقاصدي أراضيها ، لكنهم بموقفهم الصلب لموافقتهم وتأييدهم ما جاء به صالح جوهر بإنزال أي علم لأي دولة أجنبية مهما كان حكمها طاغياً ومتسلطاً وباسطاً قبضةً من حديد لأي مخالف لرايته. 

وان من الثابت في الأذهان أن تصرف جوهر لم يكن من قبيل التمرد ولا الاعتراض والمعاداة والتعنت بل كان من قبيل ممارسة الحريات الشخصية لأي مواطن له الحق في أن يضع الشعار الذي يرغب في ما يملك وبدون أن يتعارض مع الأعراف والعادات وبالذات أن الشعار العثماني المسلم تخضع له جدة كنظام حكم في ذات الوقت ، فلم يأتي بما يخالف نظامه وشرعه ، وإن القنصل الإنجليزي هو من تسلط وتجبر لمجرد مشاهدته أو بلوغ مسمعه أن عَلماً قد أُسدل دون معرفة التفاصيل ففي ذلك جرحاً للكبرياء الإنجليزي وإهانةً لا تغتفر دون الالتفات لأي مبررات واعتبارات . 

فكأن إعلان جوهر بإنزال العلم كان فرصة للقنصل الإنجليزي حديث العهد ولغيره إعادة قراءة علاقته بسكان المدينة المسالمين بشكل مختلف غير التي كانت عليه من لغة خضوع جبري وولاء مفروض لمن يقبع لمدة تواجدهم كقوة عظمى لا تقهر ، وهو ما قابله أبناء المدينة برد اعتبار غير متوقع دون النظر للعواقب ، فقد ردوا بحقهم في وجوب الممارسات ونبذ أي حالة تسلط قهري ذهب على إثرها القنصل وآخرون معه ، ولها ما أعقبها من دك الإنجليز لسماء جدة براميات القنابل حيث خرج  من خرج  هرباً من عدوان الإنجليز وقتل من قتل من أهاليها ، لكن الثابت الذي لا جدال في حقيقته أن أي قنصل حديث عهد في ذلك الزمان لن يترك لنفسه الهوى في أن يتصرف بعبثية وغطرسة في إهانة الآخرين والاستهانة بموروثهم وثوابتهم  ولن يترك لنفسه فرصة مصادرة حريات الناس حتى لا يذهب ضحية كما كان من هم قبله في الحادث الشهير.

 

 

 

 

 

Back